سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

153

الإكسير في علم التفسير

أحدهما : أن الكثب : هي الألبان ، واحدتها كثبة ، والمشابهة بين الموت واللبن بعيدة ، ثم لم يكفه ذلك حتى جعل منها رائبا وحليبا . الثاني : أن من شأن الموت أن يستعار له ما يكره ، لا ما يستطاب . وعندي أنه جازف في هذا ، وجار على أبي تمام ؛ فإن هذه الاستعارة في غاية العلو ، وليست في غاية السقوط ، كما زعم ؛ وذلك لأنه لا خلاف أن الموت مستعار فيه اسم السقي والتجريع كقول القائل « 1 » : أسود شرى لاقت أسود خفية * تساقوا على حرد دماء الأساود فأبو تمام استعار لفظ السقي في سياق ذكر الموت ، ثم لما رأى أن بعض بني هذه الحرب اخترم في أوائلها سريعا ، وبعضهم تراخى عنه الموت وأبطأ إلى آخر الحرب ، ثم وافاه ، رأى أن أشبه الأشياء بحالهم سرعة وإبطاء : اللبن الحليب الرائب ؛ لأنه يسمّى حليبا عقيب حلبه ، ورائبا إذا تراخى عن زمن حلبه ، فاستعار لفظ اللبن لمناسبة حال بني هذه الحرب صفة الحليب . والرائب في التعقيب والتراخي ، ولعمري إن هذا تصرف حسن ، وقريحة جيدة ، وإن اللّه يأمر بالعدل . وأما قوله : إنما يستعار للموت ، ما يكره لا ما يستطاب ، فجوابه النقض . يقول الحماسي : سقيناهم كأسا سقونا بمثلها * ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا « 2 » والكأس ظاهرة في الخمر . وهي ما يستطاب غاية الاستطابة ، ولهذا رتب على شربها الحد ؛ زجرا عنها ، فلئن قال : إنها استعارة هنا بجامع ما يلحق السكران من غيبة السكر المشبهة لغيبة الموت ، قلنا : وأبو تمام استعار لفظ اللبن ؛ لأنه جعل أحد قسميه رائبا . وفي الرائب حموضة أو مزوزة مستكرهة ، ولما سبق من مناسبة التراخي ، وذكر الحليب لما ذكرنا من مناسبة السرعة

--> ( 1 ) قاله الأشهب بن رميلة . اللسان : مادة حرد ( 2 ) قاله زفر بن الحارث الكلابي - حماسة أبي تمام